السبت، 17 نوفمبر 2012

إطلالة نوفمبر و مسائل أخرى








أطل شهر نوفمبر إطلالته المعهودة .. و الفجر يشق أنفاسه بصعوبة .. مسألة تبيًن الخط الأبيض من نظيره الأسود تصبح هنا مسألة ميكروسكوبية حقا، لذا نترك تبينها لعلماء الفلك .. فقط نصحو على إيقاع ساعة التنبيه التي تعلن عن الوقت معوضة غياب الديك الذي كان حتما سيعلن عن طلوع الفجر مع حلول موعد المساء٬ ليس لأن الشمس قد وجدت طريقها أخيرا للأفق المنظور و لكن يأسا بعد أن ظلت حنجرته حبيسة لساعات طويله ، فحتى الديوك تدرك حقا أن ساعات الليل محدودة ، فضلا عن أن صاحبنا يريد إثبات ديكيته المزهو بها فلا يكون هناك مجال لأن تظن به دجاجاته الظنون٬ (لا أدري كيف كان لبلال بن رباح أن يتبين الخيطان في هذه الأجواء البرلينية .. أتصور أن عبقريا ما كان سيجد حلا كما وجد الأحفاد حلا لذلك حين طالت جولاتهم في البحر فكان ان اخترعوا الاسطرلاب).

بالطبع الشمس لا تغيب دائماً هنا، يحدث أحيانا أن تطل إطلالة خجولة (الكلمة هنا للتهذيب ليس إلا .. تبدوأكثر تأدبا من كلمة زائفة و هذه تفاصيل يعير لها قاموس الوجود الإنساني أهمية بالغة) يظهر شعاع بالغ الرقة لكن لا بأس فلا زال يعد ببعض الدفء الشحيح في سوق هذه الأيام .. تُتابع الشعاع باستماته لعلك تحصل على بعض الدفء الموعود لكن ما تلبث خيبة الأمل التي تعتلي أعلى سنام الجمل كما يقول المثل المصري العتيق أن ترتد بابتسامة تشَفي كبيرة كاشفة عن أسنانها الصفراء و ابتسامة التشفي دائماً تكشف عن أسنان صفراء هذه قاعدة مشهورة تتوارثها الجينات البشرية مع أشياء أخرى هي أشياء صغيرة ٬ تبدو أحيانا عابرة لكنها عند أولئك الذين لايزالون يتدثرون بتلك القشرة البشرية تعني الكثير .. القدماء يُعبٍرون عن ذلك أيضاً بخفي حنين .. يبدو التعبير رائقا للغاية ترتد الخيبة هذه المرة في شكل حذاء سيفتح مقدمته في وجهك متمنيا لو أنه في عالم الأحذية ألسنه ليخرجه لك معوضا به غياب الأسنان .. البشر لم يبتكروا بعد شيئا مثل ذلك رغم ابتكارهم أشياء أقل أهمية٬ هذه وجهة نظر حذاء ليس إلا .. ليس أكيدا تماماً إن كان لون الحذاء سيكون أصفرا كذلك٬ لكن المؤكد أن رائحته ليست أبدا بالشيء المحبب و هذا كما ترى يبدو تعويضا مرضيا تماماً عن غياب تلك الابتسامة الصفراء.

باختصار هي شمس تبدو بالفعل مزيفة ليس من ذلك النوع من التزييف الذي احترفه بعض البشر بعد قضائهم بعض الوقت في هذا العالم٬ فهذه الأشياء لا تجود به الجينات و انما يكتسبها البشر باستعداد مدهش ..
حتى الأشجار تبدو غير قادرة علي التأقلم مع هذه الأجواء المكفهرة فلا تحتمل التزيف و لا التجمل و هي تشاهد من عليائها الكائنات الأخرى تعاني الأمَرّين ٬ تنظر الشجرة لقبيلة من النمل المتقوقع عند ساقها فتتساقط أوراقها زُرافا ..
بعض التفسير لتساقط الأوراق تجود به اليرقات المتنعمة بدفء شرانقها٬ ترى إحداها أن الشجرة تحنو على تلك الكائنات المرتجفة هناك على الأرض الباردة .. ترد أخرى بكلمات سمعتها من الأجداد بأنها حركة احتجاج موسمية على غياب الشمس دأبت عليها الأشجار منذ قديم الأزل٬ هذه مجرد تنظيرات من يرقات غرة منعمة في ظل الشرانق هكذا يعلق بعض العالمون ببواطن الأمور ..

مشكلتي الشخصية (ولنا الحق أحيانا في بعض التفكير الشخصي .. هذه طبيعة بشرية لا يقدّرها الكثيرون) هي في الشعر٬ ذلك الأشعث الذي يتمايل مع الهواء حينا لكن ما إن يرى أوراق الخريف متناثرة على أمنا الآرض حتى تأخذه لحظة التعاطف المشهودة (مشاعر التعاطف مقدرة تماما لكنها هنا تبدو غير مناسبة بتاتا .. شعر الإنسان مهم في أحيان كثيرة أقلها حماية من ذلك البرد القارص و لا يخلو الأمر من إطلالة على غيداء تمر قريبا من هنا) .. أحاول تغطية ذلك السيد متعاطف بطاقية صوفية لكن ما إن تسترق بعض شعيرات الفودين المتناثرة من تحت الغطاء الصوفي النظر إلى الوريقات الصفراء المفترشة الأرض كبساط سحري حتى تدركها لحظة التعاطف فيكسوها ذلك اللون الرمادي!! بالطبع الشعرات لا تَصفرّ عند التعاطف فهي لا تملك ترف ذلك اللون (هذه طبائع الأشياء التي يؤكدها وجود الكاروتين كما يفرضها الكلوروفيل في الأشجار) .. الحق أن المرء تدركه أحيانا لحظات فخر بلحظات التعاطف تلك .. لا زال هناك ما يؤكد أن الطبيعة لا زالت بخير حتى حين يخذلها بعض البشر.
المشكلة الأكبر هي في هاتين الأذنين اللتين تتصلبان بإصرار مدهش و كأنهما قطعتا حجر ثلجي٬ لتشعر بأنهما سيقعان مع أول لمسة من حالق.. طبعا لا يجب أن أسهب في الحديث عن الأنف فاحمراره الشديد فضلا عن ذلك المنديل الذي لا يفارق اليدين و كأن أم كلثوم تستعد للصعود إلى المسرح و لكن هذه المرة مزكومة الأنفين لا أدري كيف ستكون مخارج الحروف و هي تغني (لسه فاكر قلبي يديلك أمان ..) مؤكد أن الأمان سيزول من المسرح بعد أول موال!

اليوم هنا يبدأ كالتالي .. خروج مبكر من دفء الفراش (هناك أشياء لا بد منها في هذه الحياة منها أن تستيقظ مبكرا حاملا مسبحة الاستغفار و فنجان القهوة و كسرة خبز) .. فالعمل ينتظر و هو ضرورة للوجود و للحصول أيضا على كسرة الخبز تلك .. إطلالة مبكرة من النافذة ..السماء رمادية و الشمس ليست هناك!! يوم سعد حين تطل طلتها الخجولة تلك من على قمم الأشجار التي لا زالت متمسكة باحتجاجها فتظل بلا كساء! الديك بالطبع لا تبدوالأجواء تلك ملائمة لمعيشته و تشاركه العصافير الحيرة فلا يتردد صدى لحن زقزقة واحدة في الأفق!
لكن نظرة إلى ذلك الرداء الأبيض الممتد باتساع الأفق يعطي إحساسا بالجمال متفرد .. و كما قيل (كل الحوادثِ مبدأُها من النظرِ..) لكن هيهات فـ (معظم النار من مستصغر الشررِ) ..يكفي النزول و الغوص في تلال الثلج ثم الانزلاق على جليده يتبعه التواء في الكاحل لتدرك أنه (قد ضر مهجته ما سر مقلتهً .. لا مرحبا بسرورٍ عاد بالضررِ) ..
مدهشون هؤلاء البشر٬ لا يفوتون لحظة للتعلم أبدا !! يبسطون ردائهم الأبيض فما إن تقول في نفسك لا ضير من أن نلج عالمهم و أن يلجوا عالمنا حتى يدركك الانزلاق الأول .. لا يتعلم المرء سريعا هنا .. لا بد من انزلاقات عديدة أو انزلاقة كبرى يطير معها البطين الأيسر حتى يدرك المرء أن هناك ما يستحق التعلم .. هذه أشياء يرددها العجائز و هم يتلمسون طريقهم بمساعدة العصا المعقوفة .. الأجيال تتناقل ذات الكلمات لكن هناك تآمر كوني بأنه لا بد لكل بشري أن يجد طريقه بنفسه و أن ينزلق! هذا من دروس المناعة الأولية التي تتلقاها أرواحنا في شبوبها الأول.

و لكن مهلا الأمر ليس كله هكذا .. لا يخلو الأمر من بعض لحظات دافئة حينما تقودك قدماك المرتجفتان بردا إلى مكان دافئ لتتناول كوبا من الشاي أو مشروب الزنجبيل .. هذه البلاد لا تعرف السحلب لا أدري كيف لم يأخذوه عنا كما أخذوا أشياء أخرى كثيرة .. يالشتاء القاهرة الدافئ بصحبة كوب سحلب بالمكسرات و كثير من الحليب .. يبدو أنهم هنا يعوضون غيابه بأشياء أخرى .. لكن ما إن تستريح حتى تعود للنَصَبِ .. يعمل البرد فعلته في إحراق السعرات الحرارية لتجد المشروبات سريعا طريقها لمتنفسها الطبيعي بعد أن أخذ الجسد كفايته .. تضطر لحبس رغبة جسدك في التحرر مدركا بأن دقيقة تأخير إضافية ستصنع فارقا مدهشا بين التبلل و البلل فما إن تصل لحظة فك الحزام و إفراغ لؤلؤتيك حتى تدركك لحظة الراحة الكبرى و ذلك الشعور الملكي الطاغي بالسعادة تتذكر هارون الرشيد ذلك الملك الذي ملأت سيرته حكايات الف ليلة و ليلة حين عاد عطشا قيل له كم تدفع من أجل شربة الماء .. أقرّ الرجل بأن نصف ملكه فقط يبدو سعرا عادلا تماما.. و ماذا لو لم تستطع التبول .. (هؤلاء القوم كانوا يستخدمون لغة صريحة تماما .. احتجت عدة كلمات لوصف التبول بينما تذكرها كتب الأقدمين هكذا ببساطة يبدو أن فن التورية لم يكن قد وجد طريقه بعد لكتب الأدب فهو لم يظهر إلا في عصور الانحطاط كما تعلمنا من دراسة الأدب أظن التشدد كان كذلك أيضا) .. لقد وجد الرشيد أن نصف ملكه الثاني مقابل معقول للغاية حتى يستطيع التبول.
بالطبع هذه من اللحظات التي يعبر فيها المرء عن سعادته بالغناء الكل يفعلها خلف باب الحمام و يشدو بصوته الشجي .. (هذا من وجهة نظره الخاصة طبعا).. يحتاج البشر لكثير من المجهود حتى يقتنعوا بأنهم لا يستطيعون الغناء هذا أيضاً من دروسِ جينات الغرور الإنساني٬ هي محطة لا بد للجميع من الوقوف عندها و لو للحظات قصيرة لكن قليلون هم من يدركون بذكاء فطرتهم أنهم لا يجب أن يلبثوا هناك طويلا فلا بد ان تكون محطة عابرة و سريعة أيضاً.

يهبط الليل سريعاً هنا .. الدلالة الوحيدة هي ظهور تلك الدائرة القمرية و لكن يتردد هنا صدى أبيات الرافعي: إن الظلام الذي يجلوكَ يا قمرٌ .. له صباح متى تدركه أخفاكَا .. ٬و في انتظار تبيان الخيط الأبيض من الأسودِ .. تسترجع الكلمات صداها .. لسوف يأتي يومٌ فيهِ ننساكا.

عبدالعظيم
برلين/نوفمبر ٢٠١٢

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق