السبت، 18 يناير 2014

من وحي العشرية الجزائرية .. ثلاث حكايات


1
صديق طفولتي الذي أصبح ضابطاََ في الجيش المصري.. بدأ دراسة فعلية لكتاب (الحرب القذرة) الذي كتبه ضابط سابق في الجيش الجزائري و يروي فيه شهادته عن الحرب الأهلية التي بدأت عام 1992 بعد إطاحة الجنرالات بنتائج الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للانقاذ في 1991.. و يكشف فيه تكتيكات الجيش في القيام بمذابح رهيبة ضد مواطنيه.. 
كان إهداء الرجل بسيطا في كتابه الذي كتبه من مهجره (إلى جميع ضحايا الحرب القذرة.. إلى جميع المدنيين و العسكريين الذين رفضوها و تم اغتيالهم بصورة جبانة .. إلى جميع سجناء العدالة). 
قدم حبيب سويدية الحقيقة المُرّة المتخفية خلف ستار الحرب على الإرهاب .. الذي اتضح لاحقا بعد طول تضليل أنه كان إرهاب الدولة القذرة ضد مواطنيها. الدولة التي تحولت بعد الانقلاب العسكري من مكافحة إرهاب الجماعات المتطرفة ضد مواطنيها.. إلى تنفيذ العمليات الإرهابية من أجل البقاء في السلطة.
القصة عنيفة للغاية و بدأت بإلغاء انتخابات ديمقراطية فاز فيها من لا يحبهم الجنرالات و لا الشركات متعددة الجنسيات و لا شبكة الفساد الضاربة في عمق حقول ثروة النفط التي تمثل الدخل الأكبر لمنظومة الجيش الاقتصادية و لا زالت حتى الآن بينما الشعب لا زال يرزخ تحت ضغط الإفقار المادي و الامتهان الإنساني.. يكتب حبيب سويدية بمرارة شاب في الثلاثين: (كنت اكن احتراما شديدا للجيش الجزائري. تعلمنا في البرامج المدرسية وفي التاريخ الرسمي ان الجيش الوطني الشعبي السليل الفاضل لجيش التحرير الوطني ,وهو الدعامة الرئيسية للجزائر, وسيتبين لي لاحقا ان الجزائر لا تملك جيشا لأن الجيش هو الذي يملك الجزائر.)

يروي الكاتب الكمائن المتحركة التي تقتل زملائهم و الإتاوات التي يتم فرضها على الأهالي و اغتصاب الفتيات و تعاطي المخدرات.. يحكي عن رجل ذهب لقسم الشرطة للتبليغ عن سرقة سيارته فتم احتجازه ثم رموا جثته في اليوم التالي .. ليكتشف الضابط بعدها أن من قتله هم من سرقوا السيارة (هم نحن) كما أخبره زميله الضابط. 
أتذكر الآن حكاية مصرية عن الصيدلي الذي ذهب للإبلاغ عن سرقة صيدليته فتم القبض عليه لأنه أخواني.. الأمور تتطور لاحقاََ لشيئ أكبر. يحكي حبيب سويدية عن هجوم على كمين للجيش و رفض قادته تدخله ليكتشف لاحقا أن من قتلهم هم زملاء من كمين متحرك ثم تم الإعلان عن مقتل أفراد الجيش على يد الإرهابيين

2
أصدقاء آخرون.. انتهوا سريعا من كتاب (دروس من العشرية الدموية الجزائرية) .. و الكتاب يرى الأزمة من ناحية أخرى.. 
يكتب دسوقي أحمد (بأن المنتصر الظاهر ببلطجة القوة يحمل معه أسباب انهياره.. لكن الأزمة تكمن في الجانب المقهور حين يكرر الأخطاء و يدور في ذات الدائرة المفرغة مما يجعل الحليم حيران). ثم يستكمل الحكاية بعيداََ عن نظرية المؤامرة و المظلومية الكربلائية..

بدايات الأزمة الجزائرية تتطابق مع ما حدث في مصر .. انتخابات تفوز بها أغلبية تمثل تحالف إسلامي سلفي أخواني.. ثم انقلاب .. أخوان الجزائر يرون تدخل الجيش مطلوبا (يشبه دورهم موقف حزب النور حاليا).. و موقف الجبهة الإسلامية ذات التوجه السلفي في الجزائر يدافع عن الشرعية الانتخابية (دور أخوان مصر).. هي سخرية الأقدار .. و الكل يتعلم الدرس بالشكل الذي يروق له ..
الإسلاميون كانوا قد حسموا الجدل البدائي الأزلي و قرروا المشاركة في انتخابات 1991 فقمع العسكر تجربتهم بفاشية في 1992.. فتفتت أحلام المراجعات و تحمل من تحمل هموم القمع و من لم يتحمل حمل السلاح في مواجهة دامية مع الجنرالات.. و الضحايا عشرات الآلاف من الأبرياء.
ضمت الجبهة أطرافاََ عدة و استخدمت خطاباََ سياسياََ ساذجاََ بعد الانقلاب استعدى الجميع فهاجمت الشاذلي بن جديد و تنبت خطاب إقصائي.. لم تتبن العنف لكن هناك من قام به باسمها و بالطبع المخابرات كان لها الدور البارز في إشعاله.. 
كان أخوان الجزائر يرون تدخل الجيش ضروريا لحفظ الأمن.. بينما رأي السلفيون أن الشرعية الانتخابية و الجماهيرية الشعبية كافية للانتصار .. و لم يحصل الجزائريون على الأمن و لم تنتصر الشرعية و كانت عشرية دموية يعانى منها الجزائر حتى اليوم.

3
و أنا أتجول في الكتابين المفزعين تذكرت ندوة صنع الله إبراهيم في برلين و هو يُنَظِّر لفاشية العسكر باسم القضاء على اليمين الديني.. و رفيقة يسارية مصرية تتكلم بحماسة عن لحظة القضاء على الإسلاميين و التبشير بالمجد اليساري .. لكن صديقها اليساري الألماني يتحدث عن مصالحة سياسية في النهاية لكن كم من الثمن يجب أن يدفعه المصريون ؟! .. كنا نتجول في ليل المدينة البارد و الحزن يأخذنا لمداه الأقصى..

يرى صديق أن أحلامنا تائهة بين حلم الدولة الأردوغانية (الأخوان) برخاء اقتصادي و هدنة مؤقتة مع الجيش - وحلم الدولة الأتاتوركية (الجيش/الكتلة الليبرالية) بقوة الدبابات.. أو حلم حزب النور (حلف نفعي بين الجيش و السلفيين) كنموذج الدولة شبه الفاشلة في باكستان.. لكن الواقع يسير بقسوة للسيناريو الجزائري برعاية عسكرية و ليبرالية مزيفة و دينية نفعية.

يبدو الكل و كأنه يستعد نفسيا للعشرية المصرية و السيسي يقوم بدوره التاريخي في الوصول بأقصى سرعة. و القلب مقبوض بدرجة مرعبة.
موسيقى الراي الجزائرية نشأت في وهران كموسيقى حالمة بغضب.. تقع في المنطقة الرمادية بين الحياة و اللاحياة و تغني للآمال البعيدة بلا مسار واضح. و نحن لا زلنا نتداول الأمر كأنه حدث عابر سخيف دون مقدرة واعية للتصديق.. إعلان النظام الأخوان جماعة إرهابية ثم استدعاء الدول العربية لخوض الحرب معهم و كأنهم حمقى و مد المعركة لكل بيت في مصر.. سحل فتاة أمام الكاميرا و تحطيم عظام أخرى في قسم الشرطة و حديث عن إعدامات قادة و حبس 5 سنوات لمن يشارك في مظاهرة و أرقام تليفونات للإبلاغ عن كل أخواني في عودة لعهود سحيقة في البدائية الديكتاتورية.. الخرطوش في العين و الرصاص في القلب و المئات في المعتقلات و القمع يطال كل من يقول لا .. لأنه لا زال إنساناََ..
الفاشية و النازية و الحروب الأهلية بدأت دائماََ كنكتة سمجة.. كمشهد هزلي .. لكنها تتمدد كأفعى تنفث نار الفزع و الإحباط و الدمار ثم نبكي جميعاََ على الأرض المحروقة.

الحرب القذرة: شهادة ضابط سابق في القوات الخاصة بالجيش الجزائري 1992 - 2000
https://www.goodreads.com/book/show/8882867
تحميل الكتاب
http://ia600302.us.archive.org/17/items/dirtywar/DirtyWarAr.pdf

بين "حماس" الإخوان ومنصة "الجبهة" و"عقد روما" دروس من العشرية الدموية الجزائرية بحث ل Desoky Ahmed 
https://www.goodreads.com/book/show/20318332
تحميل الكتاب
https://www.goodreads.com/ebooks/download/20318332

Tamer Wageeh
https://www.facebook.com/tamerwageeh68/posts/10202729017088066

https://www.facebook.com/terkawi/posts/10201868669012993


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق