السبت، 26 أكتوبر 2013

سرور..

عن رواية سرور


تذكرت فيمن تذكرت و أنا أقرأ هذه الرواية المرهقة الممتعة الأستاذ مهران

كان صعيديا يفلح الأرض القاسية في بلدته فلا تتشقق و الشمس حارقة تلسع جبينه الأسمر.. فينظر إلى السماء بغضب .. ثم تتلقفه لاحقا أحضان القاهرة بيسارها المفعم بعبق الشعارات.. لكنها تظل كلمات ليس إلا !!
..و هكذا أجاد مهران الشعر عن الحب و العدل و الثورة..
كان يحكي لي كيف كان يقرأ قصائد نزار و مظفر النواب و سرور و يحفظها العمال معه من التكرار و هم (يفحتون) الأرض ثم يرددونها و هم متدثرين بأكواب الشاي الأسود في برد يناير..

أعود للقاهرة بعد سنين و أتتبع مسار مهران لأجده شيخا خمسينيا اختار طريق العودة للإله بعد تكسر النصال على النصال و تسرب الحلم في الفردوس الأرضي لصالح الرضا بحلم يظل متجددا أبدا في الفردوس السماوي..!!
***

اختار نجيب سرور طريقا آخر .. 
أحب كلماته لدرجة الوله.. و كره واقعه المزخرف بالنخاسين و المطبلين و أصحاب المؤخرات الفخيمة (كما يقول) .. 
فلم يتصالح معه أو يجاريه لكنه اختار (طوعا أو كرها).. أن يكون على حافة الجنون متغنيا بهاملت و دون كيخوته و أبي العلاء المعري و لاعنا عصر المماليك و العسكر و هيكل ..

***
آه يا بنى يا ورده لسـه منوره ع الغصن..
أوعى الخيانة يا كبدي أوعى م الأندال 

الفن أصبح خيانة والخيانة فن .. 
شوف الشوارع وقوللى فيها كام تمثال . 
***

و هذا ما أبدعه طلال فيصل -بمهارة صانع الكلمات- تاركا لنا مغامرة التخبط بين عالمي الحقيقة و الوهم على طول الرواية!!
شغل نجيب سرور الناس في زمانه بإبداعه الرائع في المسرح الشعري:

***
أما يا امّا شفت حـــــــلم ..
حلم غريب يخوف 
شفتني قال راكبة مركب ..
ماشيه يا امّا في بحر واسع
زي غيط غلة وموجه عال .. 
بحر مش شايفاله بر
قال وايه عماله اجدف .. 
والمراكبي ابن عمي 
***

أو هو كما قال سرور يوما:
الشـعر مـش بس شعر لو كـان مقـفى وفصيح.. 
الشعر لو هز قلبك.. وقلبى.. شعر بصحيح!

ثم جاءت محنته القاسية و دخوله مستشغى العباسية ثم كتابته عمله الأكثر شهرة بفضحه لرجال عصره و ببذاءة نادرة ..
عشق سرور شعر المعري و اعتبر نفسه من كتيبته الخرساء ممن لم تطب لهم الحياة فطابت منهم الملاحم و الأفكار ..

و لأن الرواية تتراكم لتخرج من كل راوي حكاية مختلفة تبعا لذاكرته المتداخلة و وقوفه في أي جانب (هنا تصبح الحكايات كلها صادقة رغم كونها متناقضة)

يتقمص طلال شخصية كل راو و أسلوبه بمهارة فائقة فلا تتبين خيط الحقيقة من الخيال
رواية زوجتيه ساشا و مشيرة ..
ثم بورتريه نجيب محفوظ و كأنه هو ثم د.جلال الساعي الطبيب الحالم بجنة الأدب..
ثم طلال نفسه و حكايته المتدثرة في الرواية و لا أتبين أسلوبه مقارنة بحكاياته اللطيفة في سيرة مولع بالهوانم إلا بإشارة لطيفة لها في حواره مع د. إيثار (أنا رجل مولع بالهوانم من قديم)

راقني ذلك الحديث عن طيب الذكر هيكل في مقال سرور .. 
ظللت أقهقه كثيرا (كما تقول كتب الأدب) و أنا أتخيل الأستاذ يقرأ وصف نجيب سرور لمصطلحاته فهو يحدد مثلا مصدر مصطلح النكسة بعبثية رائقة ..
انتقم سرور مسبقا لجيلنا الذي لا زال يكتوي بمصطلحات الكاهن في عمره التسعيني المديد!!

لكنها كانت من أثقل أجزاء الحكاية على النفس .. و رغم جمال الأسلوب يخرج المرء من ذلك الوهم عن المؤامرة الكونية المحاكة ضد سرور راثيا لذلك الكاتب و مشفقا عليه من كل تلك الأفكار الخانقة .. !!
كيف تعايش مع كل تلك الأوهام ؟!!

***
قد آن ياكيخوت للقلب الجريح
أن يستريح ،
فاحفر هنا قبراً ونم
وانقش على الصخر الأصم :
" يا نابشا قبرى حنانك ، ها هنا قلبٌ ينام ، 
لا فرق من عامٍ ينامُ وألف عام ،
هذى العظام حصاد أيامى فرفقاً بالعظام. 
أنا لست أُحسب بين فرسان الزمان
إن عد فرسان الزمان
لكن قلبى كان دوماً قلب فارس
كره المنافق والجبان
مقدار ما عشق الحقيقة. 
***

كانت خاتمة بديعة تلك التي جعلها فيصل على لسان صاحب الكتيبة الخرساء أبوالعلاء المعري
(أشيروا عليه أن يجعلها رواية و هو فن ينتشر في زمانهم يبدأ من الحقيفة و ينتهي عند التوهم أو يبدأ من التوهم و ينتهي عند الحقيقة..
و أشيروا عليه بأن يصدرها بأبياتنا:
لا تظلموا الموتى و إن طال المدى .. إني أخاف عليكمو أن تلتقوا).

***
هو لم يمت بطلاً ولكن مات كالفرسان بحثاً عن بطوله !!
رحم الله سرور .. و شكرا Talal Faisal

سرورسرور by طلال فيصل
My rating: 4 of 5 stars

تذكرت فيمن تذكرت و أنا أقرأ هذه الرواية المرهقة الممتعة الأستاذ مهران

كان صعيديا يفلح الأرض القاسية في بلدته فلا تتشقق و الشمس حارقة تلسع جبينه الأسمر.. فينظر إلى السماء بغضب .. ثم تتلقفه لاحقا أحضان القاهرة بيسارها المفعم بعبق الشعارات.. لكنها تظل كلمات ليس إلا !!
..و هكذا أجاد مهران الشعر عن الحب و العدل و الثورة..
كان يحكي لي كيف كان يقرأ قصائد نزار و مظفر النواب و سرور و يحفظها العمال معه من التكرار و هم (يفحتون) الأرض ثم يرددونها و هم متدثرين بأكواب الشاي الأسود في برد يناير..

أعود للقاهرة بعد سنين و أتتبع مسار مهران لأجده شيخا خمسينيا اختار طريق العودة للإله بعد تكسر النصال على النصال و تسرب الحلم في الفردوس الأرضي لصالح الرضا بحلم يظل متجددا أبدا في الفردوس السماوي..!!
***

اختار نجيب سرور طريقا آخر ..
أحب كلماته لدرجة الوله.. و كره واقعه المزخرف بالنخاسين و المطبلين و أصحاب المؤخرات الفخيمة (كما يقول) ..
فلم يتصالح معه أو يجاريه لكنه اختار (طوعا أو كرها).. أن يكون على حافة الجنون متغنيا بهاملت و دون كيخوته و أبي العلاء المعري و لاعنا عصر المماليك و العسكر و هيكل ..

***
آه يا بنى يا ورده لسـه منوره ع الغصن..
أوعى الخيانة يا كبدي أوعى م الأندال

الفن أصبح خيانة والخيانة فن ..
شوف الشوارع وقوللى فيها كام تمثال .
***

و هذا ما أبدعه طلال فيصل -بمهارة صانع الكلمات- تاركا لنا مغامرة التخبط بين عالمي الحقيقة و الوهم على طول الرواية!!
شغل نجيب سرور الناس في زمانه بإبداعه الرائع في المسرح الشعري:

***
أما يا امّا شفت حـــــــلم ..
حلم غريب يخوف
شفتني قال راكبة مركب ..
ماشيه يا امّا في بحر واسع
زي غيط غلة وموجه عال ..
بحر مش شايفاله بر
قال وايه عماله اجدف ..
والمراكبي ابن عمي
***

أو هو كما قال سرور يوما:
الشـعر مـش بس شعر لو كـان مقـفى وفصيح..
الشعر لو هز قلبك.. وقلبى.. شعر بصحيح!

ثم جاءت محنته القاسية و دخوله مستشغى العباسية ثم كتابته عمله الأكثر شهرة بفضحه لرجال عصره و ببذاءة نادرة ..
عشق سرور شعر المعري و اعتبر نفسه من كتيبته الخرساء ممن لم تطب لهم الحياة فطابت منهم الملاحم و الأفكار ..

و لأن الرواية تتراكم لتخرج من كل راوي حكاية مختلفة تبعا لذاكرته المتداخاة و وقوفه في أي جانب (هنا تصبح الحكايات كلها صادقة رغم كونها متناقضة)

يتقمص طلال شخصية كل راو و أسلوبه بمهارة فائقة فلا تتبين خيط الحقيقة من الخيال
رواية زوجتيه ساشا و مشيرة ..
ثم بورتريه نجيب محفوظ و كأنه هو ثم د.جلال الساعي الطبيب الحالم بجنة الأدب..
ثم طلال نفسه و حكايته المتدثرة في الرواية و لا أتبين أسلوبه مقارنة بحكاياته اللطيفة في سيرة مولع بالهوانم إلا بإشارة لطيفة لها في حواره مع د. إيثار (أنا رجل مولع بالهوانم من قديم)

راقني ذلك الحديث عن طيب الذكر هيكل في مقال سرور ..
ظللت أقهقه كثيرا (كما تقول كتب الأدب) و أنا أتخيل الأستاذ يقرأ وصف نجيب سرور لمصطلحاته فهو يحدد مثلا مصدر مصطلح النكسة بعبثية رائقة ..
انتقم سرور مسبقا لجيلنا الذي لا زال يكتوي بمصطلحات الكاهن في عمره التسعيني المديد!!

***
وقلنا ننضف بقى قالوا بلا وكسـه .. واللـه لتحصل بدال النكسه ميت نكسه
***

لكنها رغم ذلك كانت رواية سرور من أثقل أجزاء الحكاية على النفس .. و رغم جمال الأسلوب يخرج المرء من ذلك الوهم عن المؤامرة الكونية المحاكة ضد سرور راثيا لذلك الكاتب و مشفقا عليه من كل تلك الأفكار الخانقة .. !!
كيف تعايش مع كل تلك الأوهام ؟!!


***
قد آن ياكيخوت للقلب الجريح

أن يستريح ،

فاحفر هنا قبراً ونم

وانقش على الصخر الأصم :

" يا نابشا قبرى حنانك ، ها هنا قلبٌ ينام ،

لا فرق من عامٍ ينامُ وألف عام ،

هذى العظام حصاد أيامى فرفقاً بالعظام .

أنا لست أُحسب بين فرسان الزمان

إن عد فرسان الزمان

لكن قلبى كان دوماً قلب فارس

كره المنافق والجبان

مقدار ما عشق الحقيقة .
***

كانت خاتمة بديعة تلك التي جعلها فيصل على لسان صاحب الكتيبة الخرساء أبوالعلاء المعري
(أشيروا عليه أن يجعلها رواية و هو فن ينتشر في زمانهم يبدأ من الحقيفة و ينتهي عند التوهم أو يبدأ من التوهم و ينتهي عند الحقيقة..
و أشيروا عليه بأن يصدرها بأبياتنا:
لا تظلموا الموتى و إن طال المدى .. إني أخاف عليكمو أن تلتقوا).

***
هو لم يمت بطلاً ولكن مات كالفرسان بحثاً عن بطوله !!
رحم الله سرور .. و شكرا طلال فيصل


View all my reviews

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق